محمد بن زكريا الرازي
81
الحاوي في الطب
أصبعك على الخرق من العرق واغمزه غمزا رفيقا وأقره ساعة فإنك تدمج فيه أمرين أحدهما أن تستبقي شيئا من الدم ولو مدة ، والثاني أنه يجمد منه شيء فيصير في فوهة العرق فيمنع الدم ، فإن كان العرق غائرا بعيدا فاستقص النظر حتى تعلمها أين موضعه وكم مقدار عظمه وضارب هو أو غير ضارب ؟ فإذا علمت ذلك منه فعلقه بصنارة ومده إلى فوق وافتله فتلا يسيرا ، فإذا انقطع الدم بفتلك العرق فدم إن كان عرقا غير ضارب قطع الدم من غير أن تربطه ببعض الأدوية التي تقطع الدم ، وأفضلها ما كان له تغرية وتمديد للورم ، وهي التي تؤلف من العلك المطبوخ وغبار الرحى والجبسين ونحوها ، وإن كان شريانا : فإنما يمكن قطع الدم إما بربطه وإما ببتره بنصفين ، وقد يضطر مرارا كثيرة إلى شد العروق الغير الضوارب برباط متى كانت عظيمة ، وكثيرا ما تحتاج إلى بترها وذلك إن كانت تصعد من موضع بعيد الغور صعودا مستويا منتصبا وخاصة إذا كان الموضع من البدن ضعيفا أو عضوا من الأعضاء الآلمة . لي : على ما ذكر : فإن شق الودج الذي في العنق خطر متى كان شقا عظيما . قال : فإن العرق إذا انبتر تقلص من جانبيه وتكمش وضبط اللحم عليه من جانبيه ، وأحزم الأمور أن تربطه في الموضع الذي يلي أصله ثم تبتره . قال : وأصل العروق وهو الجانب الذي يلي الكبد والقلب وهو في اليدين والرجلين الجانب الأعلى ، وفي الرقبة الجانب الأسفل ، وفي كل عضو بحسب ما يتعرفه من أمره بالتشريح . لي : متى شككت في شيء من هذا فاربط ثم اقطع ، فإذا فعلت ذلك فبادر بإنبات اللحم في الجراحة قبل أن يسقط الرباط من العرق فإنه إن تبادر اللحم فيغسل ما حول موضع الخرق من العرق الضارب وبقي حول الخرق موضع خال حدث في ذلك الموضع شيء يقال له أبورسما وهو فتق الدم وهو لين المجسة في جوفه دم مخالط للدم الذي في العرق الضارب فاربط هذا الفتق متى أصابته آفة كان كالحال الأول ، ويسمي بعض الناس هذا أم الدم ، ولذلك أرى أن استعمال الأدوية المنبتة للحم أجود من استعمال الأدوية التي تكوي وتحرق ، لأن هذه تنبت اللحم فيكون حبس الدم أوثق وأبعد من الخطر ، والأدوية التي تكوي لا تؤمن إن سقطت القشرة المحترقة قبل واللحم ينبت إن يسكن الدم ثانية ، وأفضل ما علمناه لذلك مما استعملنا لذلك أيضا في انبعاث الدم من الغشاء المغشي على الدماغ ولا خطر فيه : يؤخذ من الكندر جزء ومن الصبر نصف جزء ، فإذا احتجت إليه فاخلطهما ببياض البيض بعد سحقهما كالغبار بقدر ما يصير الدواء في ثخن العسل وتأخذ من وبر الأرنب شيئا لينا فلوثه فيه وضع على العرق المنخرق والقرحة كلها وأكثر منه ، واربطه بخرقة تلفها على موضع الخرق ثلاث مرات أو أربعا أو خمس مرات ثم يمر بها إلى أصل العرق المنخرق في الأعضاء التي يمكنك أن تمدها إليه ، وهذا ممكن في جميع المواضع خلا غشاء الدماغ ثم حل ذلك الرباط بعد ثلاثة أيام ، وانظر فإن رأيت الدواء لازما للجرح لزوما محكما فلا تقلعه